السيد محمدحسين الطباطبائي
97
تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن
وإصلاحاتها في مظنّة الفساد ومصبّ البطلان ، لا تتمّ الحياة فيها إلّا بالحياة النوعيّة ، ولا يكمل البقاء فيها إلّا بالاجتماع والتعاون ، فلا يخلو من فساد وسفك دم ، ففهموا من هناك أنّ الخلافة المرادة لا تقع في الأرض إلّا بكثرة الأفراد ، ونظام اجتماعيّ بينهم يفضي بالأخرة إلى الفساد . والخلافة - وهي قيام شيء مقام آخر - لا تتمّ إلّا بكون الخليفة حاكيا بوجوده لوجود المستخلف ، مبديا لآثاره الوجوديّة وأحكامه وتدابيره ، وهو سبحانه بوجوده مسمّى بالأسماء الحسنى ، متّصف بأوصاف الكمال والجمال والجلال ، منزّه في صفاته عن النقص ، وفي أفعاله عن الشرّ والفساد ، جلّت عظمته . والخليفة الأرضي - بما هو كذلك - لا يليق بالاستخلاف ، ولا يحكي - بوجوده المشوب بكلّ نقص وشين - الوجود المنزّه المقدّس عن كلّ النقائص والأعدام . وهذا من الملائكة في مقام تعرّف ما جهلوه ، واستيضاح ما أشكل عليهم من أمر هذا الخليفة ، وليس بالاعتراض ، والدليل عليه : قولهم فيما حكاه تعالى : إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ حيث صدّر ب : « إنّ » التعليليّة المشعرة بتسلّم مدخولها ، فافهم . فملخّص قولهم يعود إلى أنّ جعل الخلافة إنّما هو لأجل أن يحكي الخليفة مستخلفه بتسبيحه بحمده وتقديسه له بوجوده ، والأرضيّة لا تدعه يفعل ذلك ، بل تجرّه إلى الفساد والشرّ ، والغاية من هذا الجعل - وهي التسبيح والتقديس بالمعنى الذي مرّ من الحكاية - موجودة بتسبيحنا بحمدك وتقديسنا لك ، فنحن خلفاؤك ، أو فاجعلنا خلفاء لك ، فأيّ فائدة في جعل هذه الخلافة الأرضيّة ؟ ! فردّ سبحانه ذلك عليهم بقوله : قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ